الحلقة ١ · ٠٥:٤٩
قائمة المنسيين
طب وبعدين؟
الأستاذ طلال قاعد على النيل سرحان ومهموم، وصاحبه خيري بيسأله مالك. الإجابة مش اللي خيري متوقّعها — وبتفتح سؤال مالوش حل واضح.
السلام عليكم يا حبايب.
الأستاذ خيري والأستاذ طلال أصحاب وحبايب من المدرسة والجامعة، وصداقة عمرها — وما شاء الله يعني عدّوا الخمسين. وقاعدين بقى كده على النيل بيشربوا شاي، قعدة صفا.
وبعدين الأستاذ طلال سارح شوية. فخيري قال له: مالك يا أبو الأطلال؟ إيه اللي شغلك كده؟ خير إن شاء الله.
فطلال قال له: هقول لك، بس مش عاوزك تقول لي إنت [غير واضح] أو متشائم.
فخيري قال له: يا عم مش هقول كده، بس بصراحة إنت شغلتني. إيه الحكاية؟ مالك؟
فطلال قال له: بصراحة، أنا خايف.
فخيري قال له: خايف من مين؟ إنت طول عمرك راجل في حالك، وما عندكش مشاكل مع حد.
فطلال قال له: بصراحة، أنا خايف من الموت.
كلنا خايفين
فخيري قال له: مش إنت بس لوحدك يا صاحبي اللي خايف من الموت — كلنا خايفين. ولكن اللي بيصبّر الواحد فينا إن مراته وعياله بعد ما يموت هيفضلوا يدعوا له. فده اللي مصبّرنا.
فطلال قال له: أنا ما قلتش لا. ولكن الموضوع ده هيفضل برضه لغاية إمتى فاكرنا؟
خيري قال له: تقصد إيه يعني؟
فطلال قال له: يعني حسب اللي شفناه في حياتنا واللي حصل مع اللي سبقونا. فعلًا الولاد بيزعلوا وبيحزنوا على أبوهم، ولكن من رحمة ربنا النسيان — لأن لو مستوى الحزن فضل زي ما هو، فما حدّش فينا هيعرف لا يعيش ولا يشتغل.
وإنت فاكر صاحبنا المهندس برهان اللي مات من سنة؟
قال له: آه طبعًا فاكره.
قال له: ولاده كانوا عاملين إيه بعد ما مات؟
قال له: بصراحة دول كانوا متأثرين وعاملين مَحْزَنة جامدة جدًا.
فطلال ردّ وقال له: أول امبارح أنا كنت معزوم في فرح أخوهم الصغير، والولاد والمعازيم ضحك ورقص وغنا، كأنهم ناس تانية غير اللي أبوهم مات من سنة.
مش عاقّين — دي الدنيا
وعلى فكرة، خلّي بالك: أنا ما بقولش إنهم وحشين، ولا إنهم عاقّين لأبوهم الله يرحمه، أبدًا. ولكن ده حال الدنيا. ويا حبيبي، زي ما حصل مع اللي قبلينا هيحصل معانا برضه.
فخيري قال له: والله معاك حق. طيب والزوجة وضعها إيه؟
فطلال قال له: طبعًا بتزعل وبتعيّط، ولكن شرع ربنا إن بعد أربع شهور وعشر أيام من وفاة زوجها فربنا إدّاها الحق إنها تتجوّز. وحتى لو ما رضيتش ترتبط لأي سبب من الأسباب، فالموضوع بعد كده بيبقى ذكرى.
وبرضه هيجي وقت والأولاد والزوجة هيموتوا، والواحد هيتناسي. يا صاحبي، يعني مثلًا خلّينا نقول أبو جدّي، أو جدّك — حد فينا يعني دعا له، أو حتى عارف اسمه إيه؟
فخيري قال له: والله معاك حق. أنا عمري ما الموضوع ده جه في دماغي بالطريقة دي. وفعلًا دي مشكلة كبيرة. ولكن إيه الحل؟
التلاتة
فطلال قال له: أنا سمعت أحاديث إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له
.
فخيري قال له: وده فعلًا رحمة من ربنا. وفعلًا الحاجات دي بتوصّل الحسنات لصاحبها بعد موته، زي ما قال نبينا الكريم. ولكن برضه أنا سمعت إن الحاجات دي مربوطة بوجودها.
خيري قال له: يعني قصدك إيه؟
فطلال قال له: يعني مثلًا بنيت مستشفى، حفرت بير — فبتاخد حسناتهم طول ما هم موجودين. ولكن افرض مثلًا المستشفى دي اتشالت، أو البير ده اتردم؟ فكده الحسنات اللي جاية منهم وقفت.
وبالنسبة للعلم، فطبعًا عدد بسيط منّا اللي بقوا علماء وورّثوا علم للأجيال اللي وراهم — مش كلنا كده يعني.
وأما بالنسبة للأولاد الصالحين، فالحسنات موصولة طول ما هم فاكرينا، ولكن إذا نسوا أو ماتوا فالموضوع برضه بقى محدود. وفي ناس برضه ربنا قدّر عليهم في حياتهم إنهم ما يكونش عندهم أولاد.
لازم يكون في حل
فخيري قال له: طيب وبعدين؟ إيه الحل؟
فطلال قال له: بصراحة مش عارف. ولكن من جوايا كده أنا متأكد ١٠٠٪ إنه لازم يكون في حل. مش معقول الواحد فينا بعد ما يموت كتاب حسناته يتقفل، ويبقى قاعد في قبره كده مستني أي حد من اللي كانوا عارفينه يفتكره بدعوة ولا بحاجة حلوة. وبعدين اللي عارفينه دول بعد ما يموتوا يتشطب اسمه وذكره، ويدخل في قائمة المنسيين.
فخيري قال له: والله معاك حق. ما تيجي نزور صاحبنا الحاج إسماعيل؟ وده برضه راجل طيب وبتاع ربنا، وممكن يكون عنده حل للموضوع ده.
وفعلًا خيري وطلال كلّموا الحاج إسماعيل لو موجود في بيته، وقال لهم: يلا مستنيكم، تعالوا. وبعدين راحوا له، وبعد السلام والتحيات شرحوا الموضوع اللي تاعب تفكيرهم.
في حل
فالحاج إسماعيل بعد ما سمع الموضوع قال لهم: طبعًا في حل. في حل إن الواحد فينا بعد ما يموت يفضل كتابه مفتوح في قبره ليوم القيامة، وحسنات جاية له زي المطر — من ناس عارفهم وناس ما يعرفهمش.
فطلال قال لخيري: شفت؟ مش قلت لك أنا إنه بإذن الله لازم يكون في حل للموضوع ده.
فالحاج إسماعيل قال لهم: ماشي يا جماعة، العشا بيأذّن أهو. خلّينا نصلّي العشا في المسجد ونرجع بعد كده نشرب الشاي وناكل الكنافة بتاعة أم محمد، ونقعد نتكلم.
قالوا له: يلا يا عم، توكّلنا على الله.
فبإذن الله يا جماعة نكمّل بقى الأسبوع الجاي إيه الحل للمشكلة دي، وإيه اللي هيقوله الحاج إسماعيل — وبرضه على ما تكون الكنافة بتاعة أم محمد مرات الحاج إسماعيل دخلت الفرن واستوت.
وبإذن الله نكمّل على خير. وجزاكم الله خيرًا.